محمد الحضيكي
مقدمة 47
طبقات الحضيكي
فالشيخ جد واع بالجهل والانحطاط الأخلاقي التي قنع الناس بها ، مما حدا به إلى التصدي للبدع والانحرافات المتفشية بين قبائل المنطقة ، وتشيد المصادر بمواقفه المتشددة ضد الممارسات البدعية ، ومسعاه الثابت لمحوها وإماتتها ، إضافة إلى تهربه من العامة ، خاصة أولئك الذين تعودوا الخصومات « 1 » . كما كان الشيخ يستعمل نفوذه الروحي والمعنوي لإحلال السلام بالمنطقة ، وإصلاح ذات البين بين القبائل « 2 » ، وذلك حرصا منه على السلم واستتباب الأمن ؛ إذ لم يكن يتأتى لأشياخ القبائل أو ممثلي السلطة المركزية بتارودانت التصدي للنزاعات التي كانت تعني الجماعات ، ومدارها في غالب الأحيان : الأرض ، والماء ، والثأر . . . ومن عادته أيضا إرسال الرسائل إلى القبائل ينبهها من آفة الانقسام ، ويدعوها إلى الصلح والاستقامة « 3 » ، أو يتدخل مباشرة للقضاء على الفتن كلما جنحت إلى الحرب في نطاق نفوذه ( قبائل أمانوز ، إيسي ، أملن ) ، أو يتعداه ليشمل قبائل أخرى كما هو الشأن بالنسبة لمنطقة أسا ؛ يقول في إطار حديثه عن محمد بن عمرو اللمطي : « وقد زرناه ، ثم قصدناه لصرف شدة ، وإطفاء فتنة ( . . . ) ، وذلك أن قبائل تلك الناحية اجتمعوا عنده وقتئذ فثارت الفتنة بينهم » « 4 » . ولم يكن دوره منحصرا في فصل النزاعات المرتبطة بقضايا المجتمع آنذاك ، بل تصدى عمليا لتنفيذ الأحكام ، حرصا على تماسك الكيان القبلي ووحدته الدينية ودوام السلم بالقبيلة « 5 » . للإشارة ، فقد كانت لآراء المكاوي - المشار إليه سابقا - الوقع الكبير في نفس الحضيكي ، وهو آنذاك شديد التأثر والاستجابة للأفكار والمواقف التي كان الثائر يروجها بين عامة الناس « 6 » ، وكان مترجمنا من المساندين لهذا الشخص ، ولما تفطن إلى بدعته وكذبه ، ورأى فيها وسيلة التجأ إليها للوصول إلى المال والتلصص والتدجيل باسم الدين ، تبرأ منه ، ودعا أنصاره إلى مهاجرته ومقاطعته « 7 » ، وذلك تعبيرا عن إيمانه بضرورة تجاوز التفرقة .
--> ( 1 ) الجشتيمي : م . س . ، ص . 4 . ( 2 ) نفسه : 2 ، 4 ، المعسول : 6 / 251 . ( 3 ) الحضيكيون : 4 - 7 . ( 4 ) الطبقات : 233 - 375 . ( 5 ) أشار الجشتيمي إلى تشدده تجاه البدع والخارجين عن الشرع ، وتعدى الأمر إلى مستوى إعطاء الأوامر بقتل شخصين ثبتت " زندقتهما " . ( راجع الحضيكيون : 8 ، التاغرغارتي : 13 ) . ( 6 ) الجشتيمي : م . س . : 9 ، المعسول : 14 / 25 . ( 7 ) الحضيكيون : 9 .